الفيض الكاشاني
355
أنوار الحكمة
فيشفّعه اللّه ، فيؤمر به ، فيخرج من النار . فافهم واحدس من هذا أنّ الشفاعة أيضا واقعة في الدنيا ، كنقل الحسنات والسيّئات ، وإنّما ينكشف في الآخرة على ما بيّناه . ونزيدك بيانا ، فاستمع : نور كما أنّ المناسبات الوضعيّة تقتضي الاختصاص بانعكاس النور الحسّي ، كنور الشمس - مثلا - إذا وقع على الماء ، فإنّه ينعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط ، دون سائر المواضع ، وذلك لمناسبة مخصوصة بين ذلك الموضع وبين الماء في الوضع ، منتفية عن سائر أجزاء الحائط ؛ فكذلك المناسبات المعنويّة العقليّة إنّما تقتضي الاختصاص بانعكاس النور المعنويّ في الجواهر المعنويّة ، ومن استولت عليه صفة التوحيد فقد تأكّدت مناسبته مع الحضرة الإلهيّة ويشرق عليه النور من غير واسطة ، ومن استولى عليه الاقتداء بالرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومحبّة أتباعه ولم يترسّخ قدمه في ملاحظة الواحدانيّة ، لم تستحكم مناسبته إلّا مع الواسطة ؛ فافتقر إلى واسطة في اقتباس النور ، كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس . وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا ؛ فالوزير الممكّن في قلب الملك المخصوص بالعناية ، إنّما يعفى عن جريمة أصحابه لمناسبة بينهم وبينه ، ومناسبة بينه وبين الملك ؛ إذ لا مناسبة بينهم وبين الملك . فلو ارتفعت الواسطة لم يشملهم العناية أصلا ، إلّا أنّ الملك لا يعرف أصحاب الوزير واختصاصهم به إلّا بتعريف الوزير وإظهار الرغبة في العفو عنهم ، ويسمّى لفظة الوزير في التعريف وإظهار الرغبة شفاعة على سبيل المجاز ؛ وإنّما الشفيع مكانته عند الملك ، وإنّما اللفظ لإظهار الغرض . واللّه تعالى مستغن عن التعريف ، ولو عرف الملك حقيقة اختصاص أصحاب الوزير لاستغنى عن اللفظ وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام .